يأتي اسم «قَلقَلة» من قصّتين قصيرتين للباحثة والقيّمة الفنية المصريّة سارة رفقي. «قَلقَلة»، البطلة المُسمّاة على اسم هذه السرديات، هي فنّانة ولُغويّة تعيشُ في مستقبلٍ قريبٍ أعادت تركيبه الأزمة المالية والثورات الشعبية التي حصلت في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. رافقت استبصارات «قَلقَلة» الشّعرية حول اللغات والترجمة وقوّتهما النقدية والتّخيُّليّة تأمّلاتنا، ولم تغادرنا يوماً. هكذا، أصبحت «قَلقَلة» منصة بحث فنية رقميّة تعمل بين ثلاث لغات وأبجديّتَين (العربية والفرنسية والإنجليزية)، وهي تأخذ هنا شكل معرض فنيّ.

ينسّقُ العنوان، «قَلقَلة: أكثر من لغة»، اللقاء بين بطلتنا وبين واحدٍ من اقتباسات من جاك دريدا. في كتابه «أحاديّة الآخر اللغويّة»، يروي الفيلسوف المولود في الجزائر عام 1930علاقته الاشكاليّة مع اللغة الفرنسية العالقة بين براثن التاريخ العسكري والاستعماري. «لديّ لغة واحدة فقط، هي ليست لغتي»، يستهل دريدا كتابه بهذا الإقرار المتناقض الذي يتنافى مع أي تعريف خاص أو راسخ أو مُطلَق للغة، سواءً أكانت الفرنسية (كما عبّرت عن ذلك على نحوٍ جميلٍ الباحثة ميريام سوشيه بقولها أننا عندما نضيف حرف «s» إلى كلمة «français» (الفرنسيّة)، فعلينا أن نفهمه كدلالة على صيغة الجمع)، العربية (التي كانت تُدرَّس كلغة أجنبية خلال الحقبة الاستعماريّة للجزائر، والتي هي اليوم اللغة المَحكِيّة الثانية على الأراضي الفرنسية مع لهجاتها المختلفة)، أو الإنجليزية (اللغة المُعَولمَة والمُهيمِنة في عالم الفن المعاصر).

تحضرُ هذه اللغات الثلاث (وغيرها) في المعرض مُحمّلةً بالقضايا السياسية والتاريخية والشعرية، وتتقاطع فيما بينها. هكذا، تهيمُ الإشارات والأصوات في المعرض لتذكّرنا بأن اللغات لا تنفصل عن الأجساد التي تتكلّم وتسمع. كلّ من يتحدّث “يعبّرعن نفسه كذلك من خلال النظرات وملامح الوجه «(نعم، للّغةِ وَجه)»، على حد تعبير الكاتب والباحث المغربي عبد الفتاح كيليطو. تحاكي أعمال المعرض لغات متعدّدة وهجينة ومُكتَسَبة عَرَضيّاً مع هجرة العائلات والمنافي الفرديّة واللقاءات المُجتَثّة. لُغاتٌ أُم، لُغاتٌ ثانوية، مُتَبَنّاة، مُهاجرة، ضائعة، قَسريّة، دارجة، ثانويّة، مُبتَدَعة، مُقرصَنة، مُتَلوّثة… كيف نتحدث بأكثر من لغة، وبأكثر من أبجدية؟ كيف نُصغي، من المكان ومن اللغة حيث نحن موجودين؟ هكذا، يقترح المعرض، ضِمناً، مُساءلة النّظرة التي نطرحها على الأعمال الفنية حسب المخيلات السياسية والاجتماعية التي تكوّننا.

تم تقديم معرض «قَلقَلة: أكثر من لغة» في العام 2020 في «المركز الإقليمي للفن المعاصر في أوسيتاني» في مدينة سيت. واليوم، يُعاد فتح المعرض في« لا كونستهال، مركز الفن المعاصر في مولوز » من منظورٍ متنبّهٍ لسياق مدينة « مولوز » الحدوديّة ذات التاريخ العُمّالي، إذ تُعتَبَر مدينة أوروبيّة مركزيّة متعدّدة اللغات. فبالإضافة إلى اللهجات الأليمانية والفرانكونيّة التقليدية، تتحدّث المدينة وتفهم كلّ من الألمانية والإنجليزية والعربية والتركية. سيُغني المعرض نشاطَين، هما ورشة عمل وحدث عام مع أخيم لينجيرر (لغة برمجة نصيّة)، ليطوّر مشروعه الذي بدأه في برلين حول القضايا السياسية واللغوية المُحيطة بتعلم اللغات في سياقات الهجرة، فضلاً عن نسخة عربيّة غير منشورة للنص القَيمي. تجولُ في المعرض مداخلة منتصر الإدريسي الرُّسوميّة، والتي تم تكييفها لتتناسب مع فضاء «لا كونستهال، مركز الفن المعاصر في مولوز»، واصلةً الحروف الأبجديّة اللاتينية والعربية، واللغات الإنجليزية والعربية والفرنسية لتشكّل حروف وكلمات، ولكن أيضاً مراجع نصية معروضة على الجدران بلغتها الأصلية.

تظهر في الأعمال عمليات الترجمة والنَّقحَرة وإعادة الكتابة والأرشفة وإعادة الإصدار والنشر والتحرير، وحتى القَولَبة والكاراوكي، كمَساعٍ لإظهار وإسماع سرديّات قد يحصل أن يُستَلَبَ بعضها ويُخفى. زيادةً على المقاربة اللغوية، يُعنى المعرض بفتح فضاء يتم فيه طرح سرديّات جَمعيّة وشهادات مُتغايرة من خلال الارتكاز، وبأكثر من لغة واحدة، على أحد المعاني الممكنة لمصطلح «قَلقَلة» – «حركة لغوية أو اهتزاز صوتي أو ارتداد أو صدى».




الأعمال

يضع معظم الفنانين/ات المدعوين/ات طرائق نشر وتداول وتلقّي الأعمال في صميم عملهم. لذلك، نفتتح المعرض بعملٍ لمُنيرة الصّلح، تطرح فيه الفنانة استعادةً متعدّدة اللغات لأغنية حب للمطربة ذات الشّهرة العالميّة أم كلثوم. يتجاوب هذا المُستَهلّ الرّقيق والمُتلمّس مع الصّوَر العضويّة والشّعر المازح الذي يقدّمه الفنان سيل موغامي دي هاس. بينما تسكن العلامات المطبعيّة والرموز كولاج الفنانة صافية المرية، فاتحةً المجال أمام العديد من التفسيرات والتأويلات المحتملة. إلى جانب هذه الأعمال، جمعت سارة واحدو كُتلًا من الرخام التي تم شذبها وتهذيبها تدريجياً، على غرار نظام الكتابة الذي يتّخذ معناه شيئاً فشيئاً، ورصّعتها داخل صندوقٍ للنّقل يشهد على مُكابدات هذا العمل وأناته.

تتأمّل مداخلات الفنانين/ات في أربع صحف لبنانية (ناطقة بالعربية والفرنسية والإنجليزية)، والتي تم تنفيذها بتكليف من «منصّة مؤقّتة للفن»، في دور الصحافة المطبوعة والرقمية في المجال العام المُقَسَّم والمجتزأ. فيما تنظر مجموعة « فِهْرَس المُمارسات النشريّة » في عمليات الترجمة اللغوية والتبادل والابتكار الحاضرة في الخطاب الذي يتناول الفنون التي تنتجها المؤسسات الناطقة باللغة العربية، بين ألعاب القوة والانعتاق في وجه المرجعيّة الأدبيّة الغربيّة. من جهته، يقوم «معهد الترجمات المُتباينة» بعَرض طبقاتٍ وأبعاد مختلفة من الترجمة والقراءة والتّفكُّر من خلال كتيّب مدرسي إيراني مخصّص للفنون البصريّة، يشترط فيه التّعلُّم ويكشف عن علاقة معينة بالعالم.

تقوم ألعاب اللغات والنظرات بتبديل وإعادة توجيه المعاني في تجهيزات منيرة الصّلح القماشيّة المُطرَّزة بالجناسات التّصحيفيّة. يتحاور هذا العمل مع فيلم ڤير أندريس هيرا الذي تستحضر فيه قصيدة مكسيكية مُنَقحَرة بالعربيّة تعود إلى القرن السابع عشر، عمليّات والنّشر التداول المنسيّة بين الأندلس العربيّة والإمبراطورية الإسبانية، بينما تسكن العلامات المطبعيّة والرموز كولاج الفنانة صافية المرية، فاتحةً المجال أمام العديد من احتمالات التأويل.

نستكشف التحديّات السياسية المتعلّقة باللغة والترجمة في ثلاثة أعمال معنيّة بشكلٍ خاص بتجربة الهجرة في أوروبا: تعمل المجموعة التي تشكّلت حول «لا تَهِب كلباً» على تفكيك الأحكام المُسبَقة والتّحيّزات الموجودة في كُتُب تعلّم الألمانية كلغة أجنبية. بناءً على افتراضٍ خياليّ، تدعو سيرينا لي العاملات المنزليّات في لندن، فضلاً عن مجموعة من الفنانين/ات والباحثين/ات، إلى إعادة النظر في علاقتهم/ن العاطفية والسياسية باللغات. بينما ينتقد لورنس أبو حمدان الاستعانة بتحليل اللهجات لتقييم مقبوليّة طلبات اللجوء في هولندا، مذكّراً بأن طُرُق الاستماع التي ننتهجها هي أيضاً سياسية.

يكمُنُ الإصغاء في قلب الأعمال الثلاثة الأخيرة التي تعطي الأولويّة للصّمت. في العمل الأول، يتخيّل نور الدين الزراف جهاز استماع ضخم ولكنه مُعَطَّل. في العمل الثاني، يحاول بينوا غريمال عبثاً إعادة بناء تاريخ العائلة المفقود في ضجيج التلفزيون وجَلَبَتِه. أما في العمل الثالث، وبعد عمليّة صبورة قامت بها الفنانة على مرّ السنين بتجميع رواياتٍ لسجناء وسجينات سياسيين/ات سابقين/ات من المغرب، تقدّم وِئام حداد شهادات فوتوغرافيّة تصون، بدقّة ورَهافة، خصوصيّة محاوريها ومحاوراتها.

معرض “قلقلة: أكثر من لغة” — لا كونستهال مولوز