بدأت رفقتنا برشا السلطي في عام 2012 قبل أن يبدأ مشروع «قلقلة»، ذاك العام جمعنا مشروع “love collective” (”مجموعة الحب“) الذي ألفته رشا مع ناتاشا بترسين-بشيليه و فيرجيني بوبين حول الدردشات، الحلويات وإصدار 3 أعداد من جورنال مانيفستا. في عام 2018 سحرتنا رشا أثناء قراءتها لنص«همد يا قلبي اللاهث، الجزء 3»، وهو مجموعة من حكايا افتراضية متعددة الأصوات تساءل الخطاب اللاإنساني الذي يروج للفن كمشروع حضاري في الشرق الأوسط — وما يحتويه من الأصداء الاستعمارية. دفع هذا النص فريق تحرير «قلقلة #3» والمحررة الضيفة لوته آرندت (و «قلقلة #3» هي واحدة من حيوات «قلقلة» السابقة التي كانت على هيئة منشور رقمي صادر عن مركز “بيتون صالون” - مركز للفن والأبحاث و مؤسسة كاديست) إلى نشر النص و ترجمته إلى الفرنسية، ثم دعيت رشا لكي تقرأ النص في مؤسسة كاديست في نوفمبر من العام 2018. أصبحت هذه القراءة فقرة محورية في حيوات «قلقلة» العديدة، إذ كانت بمثابة احتفال بإطلاق «قلقلة #3» و انتهاء المشروع في شكله السابق. ثم أُعلن عن إعادة إحياء المشروع بشكل جديد تحت اسم Qalqalah قلقلة و هو ما تقرؤونه الآن. كثير من المساهمين في «قلقلة» كانوا موجودين في تلك اللحظة، وفيها أيضاً تعرفنا إلى مساهمين جدد و وطدنا العلاقة معهم. قدمت لنا رشا تلك الهدية وهي تحوك أفكارًا مؤثرة و في غاية الوضوح عن عملها كقيمة، عبر سلسلة من المقاطع الشاعرية المطعمة بحس فكاهة ثاقب. «ليس لهذه النصوص مكان»، قالت رشا. وها نحن بالكثير من الفرح ننشر هذه النصوص في بداية Qalqalah قلقلة الجديدة، آملين بالمزيد من القلوب والحلويات و المقاطع الموسيقية و القلوب النابضة مستقبلًا.

هيئة التحرير




اهمد يا قلبي اللاهث، نزوة مجدداً

أريد أن أبدأ بشكر فريق «قلقلة» البديع، وبالأخص فيرجيني بوبين ولوتيه آرندت، على دعوتهما. أريد أن أشكر أيضًا فريق كاديست الرائع على استضافة هذه القراءة. من الصعب أن يجد المرء مكانًا له في باريس، لكنني كنت محظوظةً بأن وجدت مجموعة من الناس أسطيع أن أقول إنهم أناسي، “قبيلتي”، بكلمات أخرى. بدأ كل ذلك في مختبرات أوبيرفيلييه، مع ناتاشا بترسين-بشيليه و فيرجيني بوبين، و لا زلت ممتنة لكرمهما و صداقتهما و دعمهما المستدامين.

«إن السؤال الذي يمتد على امتداد كتابي هو: “ما هو “اليوم”، و ما نحن اليوم؟” أين تقع خطوط الهشاشة و خطوط الرقة، و الشقوق في الحياة الأفريقية المعاصرة؟ و كيف لشيء لم يعد موجودًا، أن يعطي الحياة لشيء آخر؟ هذه الأسئلة، بشكل من الأشكال، هي الطريقة للتفكير بالصدوع، بالتفكير بما يبقى من وعد الحياة حين لا يعود العدو مستعمرًا بشكل واضح، حين يصبح “شقيقًا”. يعتبر الكتاب إذًا نقدًا لخطاب المجتمع و الأخوّة في أفريقيا. و لهذا، يمكن القول إن الكتاب ينشغل بالذاكرة حين تكون الذاكرة سؤالًا حول المسؤولية تجاه النفس و تجاه الإرث. يمكنني القول إن الذاكرة — وفوق كل اعتبار— هي سؤال حول المسؤولية تجاه شيء لا يكون المرء عادةً صانعه. و قد أضيف، أنني أؤمن أن درجة إنسانية الإنسان ترتبط بقدرته على الإجابة على ما لم يصنع، و على الآخر الذي لا يربطه مبدئيًا به شيء. ليس هناك ذاكرة فعلًا إلا في ذلك الجسد المتشكل من الأوامر و المتطلبات التي يرسلها إلينا الماضي، ويدعونا لتأملها. أعتقد أن الماضي يُجبر على الإجابة بشكل مسؤول، و استنتج أنه لا ذاكرة، ما لم تكن في تحمل هذه المسؤولية». - أشيل مبيبي، «ما هو الفكر الما بعد-كولونيالي»

  • مجلة “أيسبري” ( 9 يناير، 2008)

كُتب «اهمد يا قلبي اللاهث» مثل مقطوعة موسيقية بثلاث حركات أو ثلاثة أجزاء، كُتب أولهما وثانيهما في 2015 بعد دعوة مجموعة القيمات   WhW في زغرب لإلقاء محاضرة كقيمة ضمن برنامج ” أشغال داخلية” في بيروت. أما الجزء الثالث فقد كتبته عقب دعوتي لمؤتمر Curating the Global 1 . و قد بدأت نصي بكلمات أشيل مبيمبي لأن فيها العديد من الطروح التي أرتكز عليها أو أراها كإحداثيات لعملي كقيمة، ذلك العمل الذي يدعوني للغوص في جغرافيات هشة وأجساد اجتماعية مهشمة، حيث يصبح فيها العدو هو الأخ بدلا من أن يكون الغريب، ويصبح فيها المستقبل شبيهًا بالأطلال. الذاكرة و المسؤولية و الانتقال و التوريث، كلها مفاهيم تصقل احساسي في عملي كقيمة — هذا العمل الطارئ والفعال والمقاوم.

اشتبكت النظرية الفنية الحديثة والعملين الفني والقيمي بطرق عديدة مع تعقيدات وخبايا منها: الذاكرة و التذكر و الشعور و الأرشيف و المستندات و الإشاعات و الأقاويل و التحريات و غيرها. و في النهاية يظهر هذا الاشتباك في إعادة سرد أو استذكار حدث أو عمل منسي أو ممحي أو مهمش. صادفت، خلال عملي على العديد من المشاريع البحثية — التي شكلت وطورت أعمالي كقيمة في الفن والسينما — العديد من المواقف (التي كانت أحيانًا ضمن مقابلات) وجدت نفسي فيها عاجزة عن وضع ما يُلمح لي في أي إطار أو سياق مناسبين. تتضمن المقابلات على إخراج دقيق، فيه نوع من الإغواء يلعب على شخصية الضيف ويبني معه إطارًا من الثقة لتنتقل عبره المعلومات والمعارف الشخصية… دائمًا ما نُقصّص الماضي و الحاضر و المستقبل، لكنني، حين أؤتمن على أسرار وعدت بعدم البوح بها، أجد نفسي مجبرة على الانغماس في الخيال أو القصصية لكي أعيد روايتها من دون أن أفشيها. مكنني الخيال من هذا الحيز الآمن والمحصن لأقول فيه ما لا يقال و لأفتح باب الأسرار عبر التعمق في ماض قريب انقطعت عنه حقائقه وآثاره التوثيقية. مكنني الخيال أيضًا من أن احلّ حبكة اللغة المزدوجة التي تحدد رؤيتنا للعالم، بين لغة أولى و هي اللغة الشائعة والمهيمنة التي تستعملها ال”جهات الرسمية” من الحكومات إلى الإعلام إلى الشركات العالمية، وبين لغة ثانية تحملها تجاربنا المعيشية، تهدد اللغة الأولى وتقوضها أحيانًا.

كتب أول جزء بصيغة المتكلم المفرد و حمل صوت فنان عراقي يعيش في المنفى منذ أوائل الثمانينيات، اتخذ لنفسه مرسمًا في عمان راح يرسم فيه لوحات وقؔعها سرًا بأسماء فنانين عراقيين متوفيين، و منهم من كان من أصدقائه الذين بقوا في العراق. قُدّمت هذه الأعمال في المزادات على أنها “مكتشفات جديدة” وبيعت على أنها ” لقطات”، وقد اعتمد اصحاب المزادات على الفنان نفسه الذي زور اللوحات للتحقق من أصالتها. كانت الشائعات عن اللوحات المزيفة رائجة، لكن لم يكن ليمر تزوير كهذا في عالم الفن العربي الحديث و عالم الغاليريات من دون عقاب شديد. يدور الجزء الأول من نزوتي السردية، حول افتراض خفي: ماذا لو أن الفنان “المُزوّر”، رسم تلك اللوحات بدافع الحب و ليس بدافع الطمع؟ ماذا لو كان يحاول إعادة إحياء الفنانين الذين يزورهم عبر رسومه؟ و ماذا لو كان في ذلك محاولة للدخول تحت جلدهم، و استعادة عملهم وعالمهم، و استحضار ذلك التواطؤ الذي جمعه بهم في زمن غابر؟ ماذا لو كان ما يحرك الفنان الهرم هو الشوق؟

في الجزء الثاني من المقطوعة، حاولت إجراء حوار مستحيل مع كتاب بعنوان «معلش، مذكرات الرحلة المسرحية» لجان كوكتو. لم أكن لأصدق من نفسي أن كوكتو قد عنون أحد كتبه «معلش»، وهي التي قد تعني في العربية الدارجة “كل شيء على ما يرام”، أو “لا يهم”، وجدت الكتاب على رف للكتب المعروضة للبيع بيورو في مكتبة للكتب المستعملة في باريس، و قد امتلأ الكتاب بملاحظات مطولّة و دقيقة خُطت بقلم الرصاص أوحت لي أن كاتبها هو محرر الكتاب. بين شهري مارس مايو من العام 1949 قام جان كوكتو مع فريق من الممثلين بزيارة القاهرة ثم الإسكندرية ثم بيروت ثم اسطنبول ثم انقرة لتقديم العديد من مسرحياته، وقد خط مذكرات رحلته هذه في كتاب «معلش» على متن الطائرات و القطارات و في البواخر و السيارات و في ردهات الفنادق. كتب كوكتو: «ذهبت رجلًا وعدت رجلاً، لا رجلا أديباً بل أعود رجلًا فقط.»2

أهدى كوكتو كتاب «معلش» لمحمد وحيد الدين فكتب: “وحيد العزيز، سألتني، في ليلة إن كان ممكنًا أن أوقع لك على نسخة من الكتاب. إن العديد من صفحات هذا الكتاب كتبت بسببك ” 3 . وجدتُ في قراءة «معلش» ما أثار اهتمامي، فهو نص يترنح بين كونه مسليًا أحيانًا، ومغيظًا بشدة أحيان أخرى. لكنه عند نهايته، يصبح آسرًا لكثرة البوح فيه. و يبدو أن الكتاب عُرض على محرر أو محررة قبل النشر، ولعله أو ولعلها كانت شديدة التسامح في ملاحظتها على صفحاته. ينتهي الإهداء بالقول “إقبل مني هذه المذكرات، مع اعتذاري المسبق عن ملاحظاتي التي تتجاوز أحكام الضيافة. هل يمكن أن ينكفئ الثرثار عن الكلام؟ لُمني علنًا، وأحبني سرًا” 4 . لم أقم بما يكفي من البحث لأتمكن من معرفة هوية محمد وحيد الدين، إلا أنه من الواضح أنه كان رجلًا ينتمي لطبقة النخبة و عالم الثراء و الأغنياء. خصص وحيد الدين العديد من السيارات لكوكتو وفريقه المسرحي، و عيّن معه مرافقه الخاص المسمى كاروللو لكي يرافقه أينما ذهب، حتى وإن ضايق ذلك كوكتو في بعض الأحيان. (و لا أخفيكم سرًا أن مشهد سكرتير إيطالي مصري يلاحق ديفا في هيئة أمير فرنسي في شوارع القاهرة سلتنّي إلى أبعد الحدود). و كما أميل دائمًا إلى الاعتقاد بما وراء الأشياء، قررت أن هذا الكتاب، وبنسخته تلك المنقحة بملاحظات المحرر بقلم الرصاص لم تعثر عليّ مصادفة. يحاول نصي تخيل مذكرات كاروللو و هو يرافق جان كوكتو في رحلته.

المقطع الثالث من النص يحاكي سؤال يزعجنا دومًا في حاضرنا. عنونت المقطع في البداية بعنوان «أن تطلق النار على فيل في متحف عربي»، و كان في ذلك تحية لنص حمل عنوانًا مشابهاً أثر في بشكل كبير، وهو قصة قصيرة لجورج أورويل من كتابه «أيام بورما»، عنوانها «أن تطلق النار على فيل»، يسرد فيها حكاياته الشخصية أثناء خدمته في شرطة الاستعمار البريطاني في بورما. أجد في هذا النص ما هو أساسي عند التفكير في صناعة الاستعمار، و أعتقد أن هذا النص يستحق المراجعة و الدراسة بشكل أعمق. 

cancer-xsmall

ينتظر الكسالى مثلي دعوات في غاية الكرم و الرقة ليتجرؤوا على الإقدام على تجربة جديدة. عندما اتصلت لوت وفيرجيني بي لأشارك في حفل إطلاق «قلقلة»، اعتقدت بأن قراءة نصي المنشور في الجورنال سيكون أكثر الأشياء بدهية. لكن عند التفكير مليًا، بدر إلى خاطري أنني أحتفظ بنصوص قصيرة كتبتها بأوقات متقطعة و خاصة في أوقات السفر، ولم أجد لها مكانًا لتتواجد فيه، إذ هي لا تصلح للمؤتمرات، و لا للكتابات و الحجج النقدية الجادة، إلا أنها شديدة الأهمية، و ذلك لأنها تشهد على تجاربي الحياتية الخاصة، والأحداث التي رأيتها وعشتها، و لأنها تفضي إلى عمق ممارساتي كقيمة. يظهر في هذه النصوص كيف اقرأ الصور، و كيف افكك الشعريات و الرمزيات، و كيف أترقب ما هو طارئ  وملح، و لهذا، لأول مرة، أريد أن اقرأ سلسلة من الحكايات والمقالات القصيرة من حياتي اليومية، و هي حكايات تركت أثرها في لسبب أو لآخر. أنظر لهذه الحكايات باعتبارها البطانة الداخلية لعملي كقيمة، و باعتبارها الخيوط الخفية التي تحيكه. أشكركم على صبركم.


الرباط 2004 

تمرنت الفرقة المسرحية في أروقة المسرح الوطني لأسابيع، ولم يكن ليسمح لهم باستعمال المسرح نفسه إلا قبل يوم واحد من العرض الأول. تعتبر فرقة المسرح الوطني كيانًا منفصلًا عن إدارة المسرح الوطني في المغرب، كمثل قبيلة و وطن، لكل منهما مصيره المختلف، و لا تتصل مهمّاتهما إلا عند لحظة العرض. كان من المقرر أن يكون العرض الأول، إعادة إحياء لمسرحية «طرطوف» لموليير بأداء جديد أكثر عامّية فيه تحية لبرتولت برشت. كان مدير الفرقة الوطنية ينتمي للجيل الذي قدم له برشت حيزًا لا نهائيا من متخيلات التجسيد والتعبير الجديدة. كان مدير المسرح، المنتمي إلى الجيل نفسه، خبيرًا بمسرح برشت أيضًا. 

كُتب دور طرطوف بطريقة نُحس معها جميعًا بقدرة التديّن المحافظ في زماننا على فرض الخطاب الأخلاقي من الأعلى، و إعطاء الصلاحيات للرجال لكي يَعظوا ويَفرضوا الرقابات و يُشرعوا العنف والاستغلال. كان دور طرطوف في تلك الليلة في المسرح الوطني مجسدًا على هيئة أحد الجحافل المألوفين للإسلام المتطرف، و على شرف برشت، أُجلس طرطوف في الصفوف الأولى، بين المسؤولين و الوزراء و اصحاب الشأن الذين عادة ما تترك لهم الصفوف الأولى. جلس طرطوف، بشكل عادي ولم ينتبه لتصرفاته أي من الجالسين في المقاعد الأمامية، ثم اندفع الحاضرون نحو المسرح، وبدأت المسرحية. 

بعدما بدأ العرض، و فيما انتظر الجميع أشهر جملة في المسرحية، والتي يقول فيها طرطوف “خبِّئِي هذا النهد الذي لا أطيق رؤيته!”، قام الممثل الغاضب، المتشبه بالإسلاميين المتشددين، من مقعده في الصف الأمامي، ثم قال بلهجة مُهددة ” تستري يا حرمة!” 

تجمد الجمهور من الرعب، فيما أكمل الرجل صراخه و وعظه و تهديده، وهو يصعد نحو المسرح. قفز مدير المسرح من مقعده نحو الحراس، كان ما يحصل الآن كان أسوأ كوابيسه على الإطلاق: أن يقتحم الإسلاميون مسرحه و يهددوا سلامة المسؤولين والحضور. أكمل طرطوف تمثيله وصعد على المسرح، فصفق الحضور. وما هي إلا دقائق، حتى عاد مدير المسرح، داخلًا القاعة مع حراس مدججين بالأسلحة. ذُهل المدير و تجمّد في مكانه حين رأى طرطوف فوق الخشبة، مؤديًا دوره بإتقان، و انفجر الجمهور بالضحك. 


دمشق 2005 

بالنسبة للكثيرين، لم يكن في لوحات يوسف عبدلكي أكثر مما هو مرسوم: جماجم حيوانات و أسماك ميتة و أحذية و موزة أو وردة أو زنبقة أو فناجين للشاي من البورسلين و قبضة يد، و هي كلها موجودة في عناوين كل من اللوحات التي هي فيها. كلها ما عدا القبضة، المعقودة بعزم، و المقطوعة فوق الكوع بقليل، لم ترد كلمة القبضة في عنوان اللوحة، بل كان العنوان « تحية إلى جيل السبعينات». جسدت لوحات الطبيعة الصامتة تلك درجة عالية من الحرفية، و قد رُسمت و ظللت بالفحم، بدرجات جلاء توحي بالشؤم، و فيها ما هو أغمق مما ترسم به عادة الطبيعة الصامتة. كان هذا المعرض، المُقام في خان أسعد باشا في قلب سوق الحميدية يمثل العودة المرتقبة ليوسف عبدلكي إلى دمشق. عندما يجول الزائر في المعرض للمرة الأولى، تترك لديه هذه الرسوم قليلة التكلف، احساسا باردًا بالرعب المكتوم، احساساً بالخوف الساكن. لم يكن احساس الفزع آتيا من الأصداء السوداوية للألوان وحدها، بل جاء أيضًا من الدرجات المتصاعدة من النسق الخفي الذي اتبعه الفنان في ابتعاده عن المألوف. انحرف المنظور في اللوحات مثلًا بشكل طفيف يكفي لأن يخرج الرسوم من الواقع، و يكفي لكي يخون قواعد المنظور في الرسم. العناصر التشكيلية كانت في توأمة غرائبية: تجلس فراشة ميتة قرب جمجمة حيوان، و قرب الزنبقة الممشوقة في إناء رفيع تجلس عظمة مكشوفة. و قد بدا الابتعاد عن المألوف أيضًا في  أحجام الرسومات التي كانت إما أكبر من الحجم المعتاد لهذا النوع من الرسم، أو غير متناسبة لناحية الطول أو العرض. و لعل ما أضاف إلى هذا الإحساس البارد بالرعب هو كثرة الأسماك الميتة و جماجم الحيوانات و أعينها الغائرة و أسنانها الناتئة. 

عندما يجول الزائر في المعرض لمرة ثانية، يلاحظ التأثير الأخاذ لهذه المُظللات الفحمية. يجنح تصوير الأشياء إلى واقعية تسمح للناظر بأن يميزها بما كانت عليه: السمكة كما كانت، و الحذاء كما كان، إلا أن الأشياء تتنفس بالحياة، فالسمكة، مع أنها رُسمت ميتة، بدت وكأنها تحدق في الناظر، كأنها تدينه بعتب من سُرقت منه الحياة للتو. كانت العيون الغائرة للجماجم تحدق بالعتب نفسه أيضًا، أما حذاء الرجل، فكان يحمل من شريطه المحلول، إلى جلده الذي بدأ يتكسر، الأعباء اليومية للعمل المكتبي. الحذاء النسوي، بنتوءاته المتشكلة بعد ساعات لا تحصى من الانتعال والألم، حمل التعلق الشديد بالمركز الإجتماعي. حُفرت هذه الرسوم في الظل لا في النور، وبدأت، بشكل خافت وخفي تنبض بالحياة، أصبحت هذه الأشياء العادية، المبينة كطبيعة صامتة، بمثابة شعارات أو رموز. ذاب التطابق بين الرسم والأصل، فلم تعد السمكة محض سمكة، بل صارت السمكة هي الحياة المسلوبة. ولم تعد الجمجمة محض جمجمة، بل صارت جثة الحياة، محبوسة في صندوق أسود مقفل، ولم يعد الحذاء محض حذاء، بل صار لباسًا عتيقًا لحلم مؤجل بحياة كريمة. وهكذا ذاب الدال بالمدلول: السمكة والزنبقة و الحذاء و طقم البورسلين، بدأت كلها تكشف عن دلالات أخرى، وبدأت تستحضر أصداء ما حاولت أن تمثله بالأصل، أي تلك اللحظة المجمّدة المرعبة التي تشهد على حياة تُسلب، و حيوات تُحبس في صناديق مغلقة، و أحلام يوئدها الانصياع لقواعد النظام. لم يعد الحذاء هو ذاك الذي رأيناه أو عرفناه أو امتلكناه، صار رمزًا لما كنا دائمًا نخاف أن نراه. صار يمثل الحياة، في المجهول، متروكة للخنوع أمام النظام الذي يبتلع الناس و يحولهم إلى رموز مخدرة. هذا النظام حيث الجمال والرونق كجمال الزنبقة الشامخة لا يسلم من أن يختلط مع موت حيوات أخرى. ليست رسوم عبدلكي الفحمية رسوم لطبيعة صامتة، بل هي تمثيلات بصرية للقدرة المجازية للرموز. تبدو هذه الرسوم بعيدة كل البعد عن “الصمت”، إذ تصرخ بالحياة على الحافة البعيدة للموت، تلك الحياة التي ترفض أن تستسلم، وتتعري وتشهد، وتُشهد.

لم يكن أي رسم يشبه ما يبدو عليه، إلا رسم القبضة المعنون صراحة كتحية من الفنان لجيل السبعينات. كانت قوة هذا الرسم كقوة الاستعارة، وكأنه رُوي على لسان كل رسومات المعرض الباقية. كانت القبضة متصلبة بتحدٍ، مشدودة العروق والعضلات بقوة شرسة على الرغم من أنها كانت مبتورة. هكذا كان جيل السبعينات في سوريا، ظلت روح التحدي فيه رغم الانكسار و الإذلال و الهزيمة و النفي و التعذيب و السجن و القتل و الخيانة، لم تُفرد قبضات هذا الجيل رغم ذلك كله. صار جسم هذا الجيل يُختصر في جثث، وجماجم، و أحذية، تنظر و تُلاحق و تُعاتب دائمًا وأبدًا.  

تدفق آلاف الزائرين ليلة افتتاح المعرض، من جميع مشارب الحياة. و من بين هذه الألوف، كان المئات من جيل السبعينات الذي سافر من كافة أصقاع البلاد ليؤدي التحية لرفاق السلاح. كان هذا المعرض أول ظهور ليوسف عبدلكي في سوريا بعد عودته، أذ كان قد سجن عدة مرات بسبب معتقداته السياسية، ثم نفي من البلاد قبل خمس و عشرين سنة. حاول محمد علي الأتاسي، في مقالته في «ملحق النهار»، أن يعد السنين التي سُرقت من عمر هذا الجيل مجتمعًا، فعنون مقالته: «ألف عام من الاحتجاز والأمل تحت سقف واحد» (15 مايو 2005). أخذ أبناء جيل السبعينات، واحدًا تلو الآخر، صورًا مع عبدلكي، شابكين أيديهم سويًا، رافعين قبضاتهم بدفء، وفي الخلفية ظهرت الرسوم الشاحبة التي تجرأت أن تصور ما كان محرمًا تصويره. 


بيت الدين 2016

كان شعرها الأحمر الأجعد يظهر كعرف حصان يحترق تحت الأضواء اللامعة. كانت قد صبغته بالأحمر، و زاد من هالتها كديفا. ولدت لينا شماميان في حلب لعائلة أرمنية من الناجين من المجازر، و تعيش في باريس منذ بضعة سنين. عُرفت كسوبرانو، وغنت بالعربية والأرمنية. وكان تنوع غنائها مبهرًا، إذ اشتملت أغانيها على الموسيقى العربية الكلاسيكية، بالإضافة إلى الأهازيج الشعبية الأرمنية، ومنها إلى موسيقى الأوبرا الغربية. كان ذلك في عام 2016 و كنت أحضر مع عائلتي حفلها في مهرجان بيت الدين. كانت حلب يومها تحت الحصار، وقد وصل عدد اللاجئين السوريين الذين قدموا إلى لبنان إلى أكثر من مليون لاجئ، عاش أغلبهم في مخيمات و خيم. بعد الأغنية الأولى، تكلمت لينا بالعربية، بلهجتها المختلفة، عن حصار حلب. كان سكان لبنان (و منهم من كانوا من أصول أرمنية)، قد انقسموا حول الصراع في سوريا، فأيّد نصفهم تقريبًا نظام الأسد، وأراد نصفهم الآخر أن يرى هذا النظام وقد رحل مهزومًا وانتهى، وفي حين لم يكن من المعقول توقع الميول السياسية للجمهور الحاضر في الحفل، ابتعدت أغاني لينا المختارة عن أي منحى سياسي. لم يشكك أحد، حتى في ظل هذا الانقسام الحاد، في العبء الذي شكله 1،1 مليون لاجئ على مستقبل لبنان الاقتصادي و السياسي، حتى في ظل المساعدات الدولية التي وزعت عبر مؤسسات لبنانية وا لتي قدمت فوائد واضحة. 

بعد أغنيتها الثالثة، تريثت شماميان وقالت للجمهور إنها تريد أن تغني أهزوجة أرمنية قديمة من دون موسيقى، انخفضت نبرة صوتها بأوكتاف كامل، فبدا صوتها حزينًا داكنًا فيه شيء من الرثاء.  و بعد أن غنت اللازمة، ترجمتها إلى الإنكليزية لكي يفهمها الحضور ممن لا يجيدون الأرمنية، فقالت إن معناها ” يومًا ما سنذهب، إلى ما وراء الجبال”. 

 استوقفني اختيارها لهذه الأغنية بالتحديد، فبالنسبة للأرمن، يُعتبر وعد العودة جزءًا أساسيًا من الهوية، إذ يُبقي على ذاكرة المجزرة والهجرة القسرية، و الجبل أيضًا يعني الكثير، نسبةً إلى جبل “أرارات”، و هو الجبل الوطني للأرمن، وفيه شيء من القدسية. لكنني أحسست أن الجمهور لم يرها كأرمنية، بل رآها كلاجئة، آتية من أنقاض حلب، واعدة إياهم أن كل اللاجئين سيعودون قريبًا إلى بلادهم. تحولت فتاة أولاد الناجين من المجزرة — التي قطعت كل المسافة من باريس، و صبعت شعرها بالإحمر، و غنت للنخبة الرثة — فجأة إلى لاجئة، تستحي من طول بقائها، واعدة “مانحيها”، بأنها قريبًا، مع مليون غيرها من اللاجئين، سيعودون إلى بلادهم، قاطعين الجبل. إهمد يا قلبي اللاهث.


الترجمة إلى اللغة العربية بقلم حسين نصرالدين