يجدر ذكر أن قلقلة كبرت لتصبح فنانة، لكن هذه قصة أخرى. نحن مهتمون بما سيحدث بعد ذلك بوقت طويل. في عام ٢٠٤٨ ستبلغ قلقلة واحدًا وسبعين عامًا من العمر. قلقلة امرأة فريدة، قد تبدو غريبة الأطوار ابتداء من اسمها غير المألوف. قلقلة كلمة عربية شديدة الوقع، ليست اسمًا، بل حركة لغوية أو اهتزاز صوتي أو ارتداد أو صدى خمس أحرف من الكتاب المقدس العربي تشكل كلمتي “قط بجد” التي تُترجم من العامية المصرية إلى “a cat for real” بالإنجليزية.

رغم أنه من السهل فهم كيف أصبحت قلقلة فنانة في السياق الذي وجدت نفسها فيه، 1 كمهنة كما فهمناه عام ٢٠١٤. جادل البعض بأن الجميع أمسو فنانين، أو لم يكن أحد فنانًا، ولكن هذا حقًا لا يهم. 2 ومعترف به ولم يأتِ جليًا صاخبًا أو نتيجة حدث واضح. كانت حقيقة المستقبل أن الاقتصاد الذي كان متوقعًا انهياره من فترة طويلة قد انهار أخيرًا. حدث ما كان لا يمكن تخيله، ورافق ذلك تغيير جذري في نظام العالم، أسرع بكثير مما كان بالإمكان توقعه.


تعيش قلقلة الآن في العالم العربي المتحد، و هو تكتّل شركات، يُختصر بالانجليزية الى UAW نسبة لاسمه المسجل عالمًيا United Arab World، والذي غالباً ما ينطقه المتحدثون بالعربية WOW 3 . يمثل واو الرقم ستة، وينتمي إلى عنصر الهواء، ويرمز إلى الوعد الصوفي بالإقرار الكامل، ووفقًا لبعض الصوفيين، إلى عالمية الكمال. بالفعل، في القرن الحادي عشر، أولى ابن عربي بعض الاهتمام بالواو في كتيّب يتناول أحرف الميم والنون والواو. نقرأ أن حرف الواو هو أول رقم مثالي. أخبرنا شيوخ آخرون أن الواو تتوافق وجودة الاحتضار، وهذا بالطبع جزء من الرسالة. كمواطنة “واوية” تولت قلقلة منصبًا كعالمة لغوية تخدم المصلحة العليا للعالم العربي المتحد.

image-2

بعد عشرة قرون، وفي القرن الحادي والعشرين، وجد اللغويون والمترجمون موضعًا جيدًا في نظام الواو الاجتماعي الجديد، و كان هذا تحوّلاً غير متوقع. مَن كان ليتخيل أنه ستكون للغويين والمترجمين وظائف جيدة برواتب عالية في هذا المستقبل الذي أحدثكم عنه بصيغة المضارع؟ ليس ذلك فحسب، بل أمسْى الاشتغال بالكلمات والكلمات كرموز وأرقام، مهارات تحظى باحترام كبير. حظيت قلقلة بحالة تناغم طبيعي مع لغات عدّة رغم أنها لم تدرسها في شبابها، إذ نشأت حول ست لغات. كان والداها شاعرين، وتزوجت لفترة قصيرة من رجل من عائلة عملت في مكتبات المملكة السابقة. في سنّها المتقدم، تأسفت قلقلة لعدم إنجابها، كالكثير من أبناء جيلها، لكنها اعتبرت كل كلمة تنطقها بمثابة ولادة لمعنى جديد.

دُعيت قلقلة في شتاء عام ٢٠٤٨ لحضور اجتماع مغلق في جامعة مستقبل ما بعد المنطق المرموقة UFPS. يقع مقر الجامعة في مبنى برلماني سابق في مدينة سويسرية كانت تسمى برن. 4 و كان القصد من ذلك هو تأمين تلك المدارس والجامعات التي لم تغلق أبوابها إثر الانهيار الاقتصادي أوائل الثلاثينيّات. عاودت الجامعات السابقة تنظيم نفسها في هيئات شركاتية جديدة بوعد أن يحقق ذلك عوائد استثمارية سريعة.

تحظى الفلسفة الآن بتقدير كبير لقدرتها على تحقيق نتائج سريعة بعد فشل الإيديولوجيا في عقود الاضطرابات السياسية السابقة. يعد المؤتمر المغلق الذي دعيت إليه قلقلة جزءًا من سلسلة من مؤتمرات تعقد حول العالم. غالبًا ما ترفض قلقلة مثل هذه الدعوات، إذ تجد نفسها وهي تشعر بالملل من انعدام خيال المفكرين والباحثين الحاضرين . خَلُصت وهي في عقدها السابع إلى أن كل ما يستحق القول قد قيل بالفعل في السنوات السابقة. عاشت قلقلة الكثير من الأحداث، وتأثير إعادة تدوير اللغة يرهق سمعها. غالبًا ما يكون منظمو مثل هذه المؤتمرات من الأنواع الشغوفة الأصغر سناً والتي لا تملك أي ذكرى لماض بل شعور بشيء أشبه بالحنين.

من الصحيح أن للأشخاص المولودين في العقد الأول من الألفية الجديدة تجربة مختلفة مع الذاكرة: هم نوع بشري مختلف تمامًا. للأجيال الجديدة مدى انتباه ضيق للغاية، باستثناء القلة التي ولدت لعائلات مثالية و منفصلة زمنيًا الذين حاولوا عزل أنفسهم عن الواقع القائم. أما الأخرون، فلا يملكون ارتباطًا حقيقيًا بالسرد. استندت فرضية الكينونة الإنسانية في العقود السابقة إلى تاريخ متواصل وقدرة على إعادة سرد الحياة ومحاكاته…فجأة، حوصر السرد، فهو لحظي…يختفي بمجرد نُطقه.

اهتم منظمو المؤتمر بقلقلة لأنها شهدت الموجات الثورية المبكرة وسرديات الثورات وحركات «احتلوا» في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين. عاشت قلقلة الحروب الإقليمية، وكانت جزءًا من الحركات الانشقاقية التي تسببت في انهيار نظام الدولة القومية في النصف الشرقي من العالم في أواخر العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. لم ينتج عن ذلك أي فائدة. واجهت قلقلة كالكثير من الناس في هذا الزمن صعوبة في جمع ذكريات ماضيها. تؤشر معاناة قلقلة من اضطرابات الانتباه والإرهاق السردي والصراع الروحي والفواصل الذهانية إلى أنها ليست واعية كما هو حالنا اليوم في عام ٢٠١٤. أو ربما يمكن القول أنها أكثر وعيًا بما لا يتفق مع مخرجات الطب النفسي بعد الخمسينيات. بخصوص مؤتمر برن، كُلِّفت قلقلة بجمع ما يشبه السرد السياسي - وهو نوع من التاريخ - للإنشقاقات السياسية منذ عام ٢٠١٠. تكافح قلقلة لتذكر ماضٍ أبعد من تكتل رأس المال المفرط في العالم العربي المتحد الجديد.

يناقش مؤتمر برن الفكر والسلوك الواعي واللاواعي ليمهد للاقتصاد طريقًا إلى مستقبل ما بعد اللغة. تشكك قلقلة في المؤسسات، لكنها تؤمن بشدة أن لا وجود لمستقبل ما بعد لغوي. على هامش المؤتمر، تجد قلقلة نفسها بين مجموعة زعمت أنها من “الناشطين أحاديي اللغة” من العوالم الهندو-أوروبية. تحضر اجتماعاتهم وتشرع في وضع مجموعة من الأسئلة الصعبة عن مستقبل المنطقة. فعلى سبيل المثال، هل يمكن إحداث تحول في النموذج السياسي عن طريق إعادة اكتشاف لغات أخرى؟ هل التحدث بأكثر من لغة هو شكل من أشكال الخيانة المُقنّعة بالمعرفة؟

تفكر قلقلة: يستحيل التفكير عند الحديث بأكثر من لغة. يتعين على قلقلة أن تتخلى عن مهاراتها المعجمية الأخرى إذا أرادت التفكير بلغة الأب و هي اللغة العربية. تتملكها فكرة غامضة: هل من الممكن التعامل مع المستقبل بشكل مختلف إذا شرعت في التحري عن أسرار وحقائق اللغة العربية غير المعروفة في بُعدها الزمني؟ في واقع الأمر، ليس للغة العربية صيغة خاصة للمستقبل، أو بالأحرى، يُشتق تصريف الفعل المستقبلي من الفعل الحاضر. تعلق قلقلة في معمعة الأسئلة هذه، فماذا يعني ألّا ينضوي المستقبل في اللغة؟ في النهاية، علينا التساؤل عن العواقب السياسية المترتبة على إدخال أشكال وصياغات جديدة في لغات قديمة.